نسب عمر بن الخطاب

يُعتبر نسب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه من الأمور التي تُثير فضول المُسلمين إلى حدٍ كبير، ويرجع السبب في ذلك إلى التاريخ العريق الذي يمتلكه الفاروق ثاني الخُلفاء الراشدين في التُراث العربي والإسلامي، ناهيك عن قُربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبر موقع جربها سنتطرق إلى الحديث بتوسع في هذا الصدد.

نسب عمر بن الخطاب

عُمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه واحدًا من القادة الكبار الذين دونوا اسمهم بحروفٍ من ذهب في التاريخ العربي والإسلامي، وعلى مدار حياته في الجاهلية والإسلام على حدٍ سواء عُرف بكونه أكثر الشخصيات سُلطةً ونفوذًا.

يتم وصف الخليفة الراشد عُمر بن الخطاب رضي الله عنه من قِبل الفُقهاء والعُلماء بكونه أحد عُلماء الصحابة والزاهدين منهُم، فعلى الرغم من كثرة ما ناله من مناصب وما حظي به من أموالٍ على مدار حياته إلا أنه عُرف عنه كونه مُتواضعًا وبعيدًا كُل البُعد عن البزخ والترف على عكس غيره من ذوي السُلطة آنذاك ممن يتشاركون في نسب عُمر بن الخطاب.

الفاروق هو عُمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عُدَّي بن كلاب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، فيرجع نسب عُمر بن الخطاب في المقام الأول إلى بني عُدي، وهي إحدى أشهر وأبرز القبائل العدنانية القُرشية.

بل إنها تُعتبر من بطون قُريش العشرة، وهو ما يعني أنها قبيلة ذات مكانة رفيعة، فكان عُمر بن الخطاب وأهله من كبار قُريش أصحاب الشرف، وقد كان في أيام الجاهلية سفيرًا لها، فيتم إرساله في الحروب للرد والدفاع والتباهي أمام غيرها من القبائل المُتفاخرة، وقد كان المُنافر والمُفاخر الأكبر على إثر نسبه وأصله وعِلمه.

من الجدير بالذكر كون نسب عُمر بن الخطاب كان مُتشعبًا إلى حدٍ كبير، فكان من ناحية والدته حنتمة بنت هاشم بن المُغيرة بن عبد الله من عُمر مُرتبطًا بقبيلة مخزوم، ومن ناحية والده يرتبط ببني عُدي، ما جعله مؤهلًا لقيادة قُريش بأكملها في المُستقبل قيادةً عسكريةً، سياسيةً وحتى اقتصادية وتُجارية.

اقرأ أيضًا: عبد الله بن عمر بن الخطاب

نشأة عُمر بن الخطاب

من أكثر الأسئلة التي يتم طرحها بعد الاستفسار عن نسب عُمر بن الخطاب هو ما إذا كان أكبر أم أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي واقع الأمر وُلِدَّ ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بعد عام الفيل بأربعة عشر عامًا تقريبًا أي في عام 585 م.

ما يعني أنه يصغُر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة عشر عامًا لأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولد في عام الفيل الموافق 571 م، وقد كان يقطن في الجاهلية في أصل جبل العاقر، وهو ما يُلقب في يومنا هذا بجبل عُمر، ويُعرف عن هذا الجبل أنه كان منزلًا لبني عُدي بن كعب.

نشأ الخليفة عُمر بن الخطاب في قُريش، ولكنه امتاز عنهُم في نواحٍ عِدة جعلته يتخطى حاجز الجاهلية، فتعلم القراءة في سنٍ صغيرة، وتمكن من الشعر في مراحل مُبكرة من عُمره، فكان يحضر الأسواق التي تُقام فيها المُسابقات الشعرية بين كبار شُعراء العرب في الجاهلية.

من أبرز المعلومات التي ارتبطت بنشأة عُمر هي كونه غليظًا فظ التعامل معه، وقد مال إلى تربيته تربيةً قاسية فجعله يتعلم المُصارعة، الفروسية بالإضافة إلى ركوب الخيل.

لكن تسبب ذلك في نشأة عُمر نشأةً صالحة ليكون رجُلًا يُعتمد عليه في مرحلةٍ مُبكرةٍ من عُمره، فكان يرعى إبل والده وخالاته من بني مخزوم، وتعلم في أسواق عُكاظ، مجنة وذي المجاز التجارة.

فربح منها في سنٍ صغيرةٍ ربحًا جعله من أغنى أغنياء مكة، ليدخل على إثر ذلك في إيلاف قُريش ويرتحل صيفًا إلى بلاد الشام وشتاءً إلى اليمن في رحلاتٍ وقوافل تجارية.

ألقاب عُمر بن الخطاب

لُقب عُمر بن الخطاب بالفاروق، وهو اللقب الذي يرمز إلى تفريقه للحق عن الباطل، ويرجع السبب في ذلك إلى إنصافه المظلومين من المُسلمين وغير المُسلمين على الرغم من كونه إمامًا للمؤمنين ونصيرًا لهُم مُحاربًا في صفوفهم.

مع العلم أن هذه الخصلة هي من الخصال التي عُرفت عنه مُنذ القِدم، فقد كان قاضيًا خبيرًا وذو علمٍ كبير، وفي بعض الأقاويل الأخرى والتي وردت على لسان البغوي كون سيدنا جبريل عليه السلام هو من لقبه بهذا اللقب.

على الجانب الآخر نجد أن هُناك أقاويل أُخرى جاء فيها كون من أطلق هذا اللقب على سيدنا عُمر بن الخطاب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما جاء في كُتب ابن سعد وابن أبي شيبة، ولكن لا يُهم حقيقة أول من أطلق عليه هذا اللقب، فنسب عُمر بن الخطاب وخصاله كانت ظاهرةً دون ألقاب.

من الجدير بالذكر كون عُمر بن الخطاب هو أول من لُقِبَّ أميرًا للمؤمنين، ويرجع السبب وراء ذلك إلى قصةٍ بدأت حينما أرسل الفاروق مكتوبًا إلى عامله في العراق يطلب فيه إرسال رجُلين من أصخاب القوة والأمانة ليسألهُما عن حال العراق.

فأرسل له حينها عامِلُه لُبيد بن ربيعة وعُدي بن حاتم، وحينما دخلا إلى المسجد في المدينة وفيه سيدنا عُمرو بن العاص رضي الله عنه طلبا منه أن يأذن لهُما من الفاروق بالدخول قائلين له: “استأذن لنا أمير المؤمنين عُمر بالدخول“.

فقال لهُما ابن العاص “أنتُما والله أصبتما اسمه، إنه الأمير ونحن المؤمنون” وأطلق عمرو بن العاص هذا اللقب عليه وأصبح من بعده لقبًا للخُلفاء الراشدين كافة، كما كُني باسم أبي حفص، وهو لقب أطلقه عليه رسول الله بسبب وفاة ابنه وهو صغير، والحفص هو الشبل صغير الأسد، وقد أسمى ابنته بعدها حفصة.

اقرأ أيضًا: لماذا لقب عمر بن الخطاب بالفاروق

عُمر بن الخطاب ما قبل الإسلام

كان الخليفة الثاني للمُؤمنين والمُسلمين مثله كمثل غيره ممن هُم من أبناء قبيلته وأهله مُرتبطًا بالوثنية على دين قومه، كما أنه كان مولعًا بالنساء ومُغرمًا بالخمر، ولكن كُل ذلك تغير فور إسلامه.

قبل أن نبدأ في سرد قصة دخول الفاروق للإسلام علينا أن نعلم أن نسب عُمر بن الخطاب يلتقي بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في جده السادس كعب بن لؤي بن غالب، وعلى الرغم من ذلك كان عُمر بن الخطاب مُعاديًا للإسلام مُعاداةً كبيرة كما هو الحال مع سادات قُريش.

بدأ عداء بن الخطاب للمُسلمين فور إعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة الإسلامية جهرًا بعد أن أسرها الهادي البشير لأعوامٍ ثلاثة بعدما نزل عليه الوحي في سن الأربعين عامًا.

كان السبب الرئيسي في هذا العداء قيام أشرف الخلق بالتحقير من شأن آلهة قُريش من الأصنام والأوثان قائلًا إنها لا تضُر ولا تنفع، فهب حينها سادة قُريش للدفاع عن مُعتقداتهم الدينية وآلهتهم مثل اللات والعُزى وهُبل وغيرها من الأصنام.

فاعتدوا كُفار قُريش ومعهُم عُمر بن الخطاب على المُسلمين وتسببوا لهم بالأذى، وجاء في بعض المصادر كون الفاروق كان ألد أعداء الإسلام وأكثر أهل قُريش بطشًا بالمُسلمين وأذىً لهُم، وقد وصل ذلك إلى تعذيبه لجاريةٍ له لكونه قد علم بإسلامها من أول النهار حتى آخره، ولا يتركها إلا لكونه قد ملَّ من التعذيب.

كما تربص عُمر بن الخطاب برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يتبعه أينما حل وارتحل ليُخيف من يُقنعهم بدخول الإسلام ويجعلهم يرتدون عن ذلك ليفروا من تلك الدعوة، ولم يتوقف أذاه للنبي عليه الصلاة والسلام داخل حدود مكة.

فعندما قرر النبي الهجرة إلى الحبشة وأمر بها خاف عُمر من تشتت أبناء قُريش وانهيار مكانتها بين العرب فقرر قتل رسول الله وتقديم نفسه لبني هاشم بقتله لتخليص قُريش مما يُهددهم.

اقرأ أيضًا: متى أسلم عمر بن الخطاب

حقيقة العداء الديني لعُمر بن الخطاب

في واقع الأمر لم يكُن السبب الرئيسي وراء كراهية الفاروق للمُسلمين والإسلام في المقام الأول عداءً دينيًا، بل كان تمسُكًا بمكانة قُريش بين قبائل العرب، فقريش وبطونها من بعدها كانت ذات مكانة مُميزة لم تُنازعها فيها غيرها من القبائل الأخرى، فكانت تُعرف بكونها قبيلة أهل الله.

ما يعني أنها اكتسبت من الخواص ما ميزها دينيًا عن غيرها من القبائل، ويرجع السبب وراء ذلك إلى رعاية أبناء هذه القبيلة للكعبة التي بناها سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل فيها، وقد كانوا يُنظمون الحج فيها بشكلٍ دوري.

هذا يُلزمنا بالتطرق إلى نُقطة مُهمة للغاية ألا وهي كون أبناء قُريش كانوا يؤمنون بوجود خالق للكون، فلم يكونوا كُفارًا في الغالب وإنما كانوا مُشركين، فيُشركون بعض الآلهة الأُخرى في عبادة الله، ونظرًا لوجود كُل الرموز الروحانية والدينية في مكة تحت رعاية قُريش كانت هذه القبيلة ذات شأن ومكانة مرموقة.

اعتمدت قُريش كثيرًا على هذا النسب والارتباط الديني، فتقمصوا دور أهل الدين ورُعاة الكعبة، وحولوا هذه الميزة إلى مصدر الدخل الأول والأبرز، فلم تكُن مكة تشتهر بأي شيءٍ آخر كالصيد أو التجارة وإنما كانوا ينتظرون أغنياء القبائل الأخرى الذين يحجون في مكة ويطوفون الكعبة لصرف النقود في مكة.

هذا ما خلق تهديدًا كبيرًا لوجود قُريش على الساحة، وهو ما رآه عُمر بن الخطاب الذي عُرف بفطنته، وهو السبب الرئيسي في ظهور بعض القصص عن رقة قلبه الموجودة خلف قسوته، فقد جاء على لسان زوجة عامر بن ربيعة حليف بني عُدي الأول أنه قال لها عند هجرتها إلى الحبشة “صحبكم الله“.

حينما قصت هذا القول على زوجها قال لها: “أطمعتِ في إسلامه؟”، فأجابته بنعم، قال لها: “والله لا يُسلم الذي رأيت حتى يُسلم حمار الخطاب“، وهو ما يُعبر عن استحالة إسلامه لما كان فيه من غلظة وقسوة على المُسلمين.

اضطراب الفاروق ورغبته في قتل مُحمد

على الرغم من كُل ما ذُكر من قصصٍ حول فظاظة وغلظة تعامل الفاروق ابن الخطاب كبير قُريش والعرب مع المُسلمين إلا أنه قد عانى كثيرًا بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحبشة، فأخذ يُفكر في مدى تمسُك المُسلمين، وعانى اضطرابًا كبيرًا بين الإسلام وعدمه.

كان السبب الرئيسي في هذا الاضطراب نسب عُمر بن الخطاب ذاته، فإن كان رجُلًا عاديًا في قُريش لأسلم مُنذ فترة، ولكن إسلامه يضرب مسمارًا لا خلاص منه في نعش هذه القبيلة العريقة التي بذل في سبيلها كُل غالٍ ونفيس في حُروبٍ وتجارة جعلت قُريش تصل إلى ما وصلت إليه من مكانة.

ما أثار فضول الفاروق حقًا هو ما يقرأُه أتباع الإسلام من كلامٍ غريب لم تسمع بمثل بلاغته قُريش بأكملها على الرغم من تمكنهم من اللُغة، كما أنه يعرف مُحمد بن عبد الله علم اليقين ويعرف أنه ليس عليه من الشُبهات في شيء، ناهيك عن كونه يتشارك في نسب عُمر بن الخطاب.

كان يسعى حينها للتخلص من هذا الاضطراب النفسي وما أصاب قُريش من زعزعة بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصةً حينما رأى الإهانة التي لاقاها أبو جهل على يد عم النبي حمزة بن عبد المُطلب رضي الله عنه وأرضاه، ولم يكُن يرى رد اعتبار رجال قُريش ومن يتشاركون في نسب عُمر بن الخطاب إلا بالسيف.

اقرأ أيضًا: معلومات عن سيدنا عمر بن الخطاب

قصة إسلام خليفة المُؤمنين

قرر عُمر قتل الهادي البشير، وفي طريقه لقي نُعيم بن عبد الله العدوي القرشي، وعند سؤاله عن وجهته قال له عُمر: “أُريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله

رد عليه نُعيم حينها بقوله: “والله لقد غرتك نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ فإن ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب قد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما

غضب عُمر غضبًا جمًا، فتوجه مُسرعًا إليهما، وعندما لقي اخته وابن عمه ضرب سعيدًا وشق وجه فاطمة حتى خر منه الدم، فوقع منها صحيفةً كانت تقرأ منها القُرآن ورغب في قراءتها إلا أن فاطمة أبت أن يقوم بذلك دون أن يتوضأ، فتوضأ وقرأ قول الله:

{طه ۝ مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ۝ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى ۝ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى ۝ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ۝ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى ۝} [طه: من 1 حتى 6].

اهتز عُمر على إثر قراءة هذا الكلام قائلًا: “والله ما هذا بقول بشر“، وقد أسلم على إثر ذلك، وضرب الفاروق على إثر ذلك ديانة ونسب عُمر بن الخطاب اللتان اتسمتا بالجاهلية والفخر القبلي عرض الحائط، وهو ما كان ضربةً موجعةً لأبناء قُريش بأكملها، ورؤيته مع رسول الله آلمتهم أكثر من أي ألمٍ آخر عانوا منه.

أعز الله الإسلام بعُمر وأعز عُمر بالإسلام، فكان قائدًا صنديدًا ونال لقب الخليفة الراشد الثاني، ولكنه على الرغم من ذلك كان زاهدًا لا يرتدي الغالي والنفيس، وفي نفس الوقت منَّ الله عليه بتواضع وهيبة، عدل ورحمة، نزاهة وحزم لم يكونوا في أحدٍ سواه.

من الجدير بالذكر أن إسلام الفاروق يُعد تحقيقًا لأُمنيةٍ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله بها إذ قال: “اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام“، وقد كان، فأسلم عُمر وكان الصحابي الأربعين، وتحول من رجُلٍ غليظٍ على المُسلمين إلى أحد العشرة المُبشرين بالجنة، فسُبحان مُقلب القلوب.

قد يعجبك أيضًا

شاركنا أفكارك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.